إلى حدود الساعة ، لم تسلك وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي ما سلكته الوزارات الأخرى في شأن التنظيم والتسيير . فقد ذهبت غالبية هذه الوزارات إلى اعتبار مجال اشتغالها فضاءً مقاولتياً يعود عليها بالنفع على المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة ، وذلك بوضع مشاريع وبرامج ذات صلة بهذه الغاية . فهي تقوم باختيار أحسن الكفاءات على رأس مصالحها المركزية والخارجية ، جهوياً وإقليمياً ومحلياً . ونجد على هرم هذه المصالح متصرفين ومتصرفين ممتازين ومهندسين في مجالات مختلفة كالتدبير المقاولتي والمحاسباتي والاقتصاد والقناطر والتواصل والبناءات ، كما هو الحال في المؤسسات المالية كالأبناك والشركات ذات الصبغة المالية أو التجارية أو الفلاحية .
أما وزارتنا ، (التربية الوطنية) ، فرغم أنها لا تختلف في التدبير عن هذه الوزارات ، فقد فضلت الإبقاء على النمط والنظام التقليديين الذين لا يتعديان إيصال المعارف إلى المتعلمين عن طريق المعلمين (الأساتذة بمختلف درجاتهم) . ومن حين لآخر من تجريب إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى ولا تزال إلى اليوم . في حين ، إن المسألة تتعدى ذلك ، ليجد المرء نفسه أمام هذا السؤال .
في مجال التربية والتعليم ، هل ينبغي أن نتكلم عن تدبير المعرفة أم عن معرفة التدبير أم عن الإثنين معاً ؟
عندما يتعلق الأمر بتدبير المعرفة ، فهناك موارد بشرية مكونة وموظفة لهذا الغرض في مختلف التخصصات ، وهناك جهاز تربوي مؤطرمتتبع لعملية ضمان التعلمات وساهر على تطبيق وتنفيذ زمن التعلم . إلا أن القطاع لا يزال يشكو ما يلي :
- النقص والعجز في عدد المراقبين التربويين ، ولاستدراك هذا النقص ، لاحل أمام الوزارة إلا إعادة فتح مراكز تكوين المفتشين في جميع الأسلاك والتخصصات وجعل عملية الولوج إليها مفتوحة أمام جميع الأطر عوض الاقتصار على بعضها .
- النقص الحاد في الموارد البشرية المدرّسة وانعدام التوازن في توزيعها .
- حاجة هذه الموارد إلى إعادة التكوين والتأهيل ، خصوصاً ما يتعلق منها بالتوظيفات المباشرة .
- توفير الأجواء والظروف المناسبة لأداء الرسالة التربوية الموكولة إليها .
- الحاجة الماسة إلى أدوات الاشتغال ( الوسائل الديداكتيكية ) في كثير من المؤسسات التعليمية .
- حل المشاكل المتعلقة بالملفات الاجتماعية كالحركات الانتقالية والالتحاقات بالأزواج والحالات المرضية .
ولكن عندما يتصل الأمر بمعرفة التدبير ، فثمة عقبات لا تزال تحول دون بلوغ هذه الغاية . فالوزارة لا تزال تنصّب على رأس مصالحها ، خصوصاً المؤسسات التعليمية ، أطراً لا ترقى إلى تدبير الشأن التربوي ، ولهذا لا تخلو هذه المرافق من المشاكل ذات الطابع السلوكي والتواصلي بشكل مستمر . وما التقارير والشكايات التي ترد بشكل شبه يومي على المصالح النيابية والأكاديمية على المستوى الوطني إلا دليلاً جازماً على تفشي هذه الإشكالية .
وأمام هذه الوضعيات والحالات ، يبقى المتعلم الخاسر الأول والأخير حيث تضيع مصلحته أمام بعض العقليات التقليدية لهذا النمط من المدبرين ، أما مصلحة القيمين على الشأن التربوي بكل أصنافهم ، فهي تقوم متم كل شهر .
وعليه ، وللخروج من هذه الأزمة "الواقع" ، ينبغي على وزارة التربية الوطنية إعادة النظر في القوانين المنظمة لتقلد مناصب الإدارة والتسيير بصفة عامة ، وذلك بتغيير المذكرات التي تصدر كل سنة من قبل مصالحها المركزية المختصة في هذا المجال . فهناك موظفون أكفاء يتم الاستغناء عنهم ويتم تجاهلهم وهم يحملون طاقات علمية ويكتنزون ما يؤهلهم لأداء هذه المهام ، في حين يُكتفى فقط بمن تؤهلهم أقدميتهم لتحمل المسؤولية دون حتى الاطلاع على ملفاتهم الإدارية والمهنية إذ يُعتمد على مطبوع التعبير عن الرغبة في تقلد هذه المناصب ، فشرط الأقدميةغير منطقي وغير مجد وغير ذي نفع .
إن من بين الأمور التي تعيق التدبير في بعض المؤسسات التعليمية ، أو صراحة ، لدى بعض رؤساء المؤسسات التعليمية هو الجهل بالقوانين والرغبة في التسلط والخلط بين العمل الإداري والتربوي والتموقع النقابي والسياسي وعدم الحياد وفقدانهم لخصلة التواصل الأفقي والعمودي ، وهو شرط يلزم أن يتوفر فيهم .
ففي البلاد الأخرى ، انطلقوا في تدريس مادة التواصل منذ سنين حيث الإيمان بأنه نصف العمل أو أكثر . فمتى تواصل الأفراد داخل مجموعة عمل ، زالت العقبات ويَسرت المهام وبُلغت الأهداف وحَسنت النتائج .
في المؤسسة التعليمية ، لا يمكن الفصل بين الطرحين الآنفين ، إذ إلى جانب تدبير المعرفة ، لابد من معرفة التدبير قبل ذلك .
أحمـد أوحنـي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق