المنتدى العالمي FET FORUM

2014-03-24

مقالات : هل يُقْبَضُ العمل النقابي بِقَبْضِ مناضليه الأوفياء؟

عبد الرحمان النويكي..وداعا..

أتذكرك الآن.. وأنت تجوب بدراجتك الهوائية أحياء الرشيدية..أتذكرك وأنت تعتلي صهوتها -قبل أن يتمكن منك المرض- إلى نيابة التعليم لقضاء حوائج الناس..
في هندامك عادي..وقسمات وجهك تختزل قساوة الأيام، وتحمل لقصر "سيدي بوعبد الله" كل الحنين، ووجهك في ابتسامته كالملك الحزين، وفي كلامك على قلته، تواضع لا يعطي الدنية لأي مسؤول خصوصا عندما يتعلق الأمر بمس حق من حقوق الناس..
أتذكرك.. أو هكذا حدثني عنك أحد قيادات الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب عن المؤتمر المحلي للجامعة الوطنية لموظفي التعليم بالرشيدية سنة 2004، في معرض تعبير عابر صادر عنك..عن سجية صحراوية بسيطة.. أتذكرك وأنت تقول لأحد إخواننا: "كيف يطمع المرء في أمر دنيوي بعد الأربعين سنة؟" هكذا خيل لي أنك عبرت عنها..لم أكن ساعتها قد بلغت الأربعين ولا من حدثني بذلك..
لم تكن تحب الجلوس في المقاعد الأمامية التي كانت تقتضيها المقامات التنظيمية المختلفة..أَحَبُ الأمكنة إليك كانت قرب إخوان لك يبادلونك مشاعر الأخوة، ويَرْنُونَ إلى تبسمك في وجوههم  بنظرات وعبرات الاحترام والتقدير..
لم تكن تحب اعتلاء المنصات كما هو حال البعض.. ولا أن تلتقطك آلات التصوير  في المقدمة وخلف اللافتات في فواتح ماي، ولا "التزاحم في" التقرب من مسؤول أو مجاملته بابتسامة شاردة أو قسمات وجه معبرة.. لأنك كنت تقول همسا وجهرا: نحن أناس نذرنا أنفسنا لخدمة الناس، إيمانا بالرسالية واقتناعا بسنة التدافع، مع ما يتطلبه الأمر من صون القناعات وترويض النفس على كبت شهوة المسؤولية وعشق الكراسي..
وتمكن منك المرض..وسلمت أمرك لله..توجعت واحتسبت.. ودخلت الإسماعيلية في صمت الباحث عن قيلولة للراحة وللشفاء.. فلولا المرض ما تركت "قصر السوق" وحمرة حيطانه وسمرة ودماثة أخلاق أهله..
 دخلت مكناس في جبة الأستاذ الوافد الجديد..لا تأخذك العزة بمجد نضالي قديم.. ولم تفعل مثلما يفعل البعض إذا ما دخلوا فضاء جديدا، أوهموا البلاد والعباد بأنهم من فتحوا طروادة والقسطنطينية، وتسابقوا إلى المنصات، ووضعوا القلب والفؤاد هنا وهناك، وفي مختلف الهيآت.. ونقروا لأنفسهم جيمات فايسبوكية في انتظار منصب آت..
اليوم، كل قصائد الشعراء المرضى أستحضرها بدفء الوجع، واتقاد الإيقاع، ورنة القافية..أبحث بين استعاراتها عما يناسب شخصا مثلك.. كل القصائد تعنيني..كل القريض أعانقه.. السياب في "غابتا نخيل ساعة السحر".. وعيناك يا عبد الرحمان كانتا "واحتا" أمل ووجع.. قبل أن يتحقق وعد الله وما شاء القدر.. لم نُنْشِد معك يوما في جلسات أخوة أو وقفات نضال مستعر "أنشودة المطر".. لأنك لم تكن تعلم أنك سترحل مع ابتهاج الربيع وانتهاء المطر..
للعلاج..تركت تافيلالت.. ولم تكن تدري أن لحظة الرحيل قد حانت.. وشغلتنا عنك شقوتنا.. وشغلنا عنك التدافع.. ولم يمنعك المرض عن التخلف عن شعائر الاحتجاج ومواكب التدافع.. جئت إلى قدر الله، وفهمت الآن معنى المثل الفرنسي: "الطيور تختفي لتموت".
        جئت لتختفي بوجعك وآهاتك، وتعيش ما تبقى لك من عمر رغم الداء –لأنه لم يكن لك أعداء- كالنسر فوق القمة الشماء.. أنت الآن في القمة الشماء..إلى مثل زهدك يرنو الحليم صبابة..
جئت والألم يلف خاصرتيك.. وفكرت في "ألم نشرح" فعُسْر بين عُسْرَيْن.. متى كنت تذكرهما..كنت تفرح.
أنت الآن يا عبد الرحمان في دار البقاء..فما العزاء؟ إذا ما فارق الدنيا مناضل كريم من الكرماء؟ إلى كل إخواني وأحبتي.. في صف التدافع لا تبكوه، فعادة العرب لا تبكي النبلاء.
إن كل مناضل في الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، مطالب اليوم بوقفة تأمل مع الذات..مع رصيده النضالي..مُطالب بمقارنة نفسه مع مناضلين رحلوا مع قوافل المحتسبين إلى دار البقاء، مطالب بمناجاة نفسه: هل نحن على العهد؟ ماذا أعددنا  لهؤلاء الذين قضوا نَحْبَهُم؟ اللائحة باتت تطول، واليوم عبد الرحمان النويكي والله أعلم بمن ينتظر.. يرحلون الواحد تلو الآخر.. بعدما دخلوا إلى العمل الدعوي والنقابي والسياسي، ورحلوا عنه فجأة ودون سابق إنذار..هي المنية التي إذا ما أنشبت أظافرها ألفيت كل تميمة لا تنفع.
ذاكرة ترحل برصيدها النضالي والثقافي..أناس صدقوا الله في عملهم..جمعوا بين المجادلة بالحسنى، والنضال الراشد والمسؤول.. فهل تقبض النقابة بقبض مناضليها الأوفياء؟
لن أجيب..لأن المقام مقام وَجْد وعزاء..وما عسى المرء أن يقول أمام قدر الله.. وأمام مفرق الجماعات وهازم اللذات: إن لله وإنا إليه راجعون.
عبد الرحمان النويكي..وداعا..



 سعيد الشقروني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق